الواحدي النيسابوري

198

الوسيط في تفسير القرآن المجيد

وقال الزّجاج : معنى ( سفه نفسه ) « أي » « 1 » : جهل نفسه ؛ فوضع « سفه » « 2 » موضع جهل . « 3 » وبهذا قال ابن كيسان ، فقال « 4 » : لأنّ من عبد حجرا أو قمرا ، أو شمسا أو صنما ؛ فقد جهل نفسه ؛ لأنّه لم يعلم خالقها ، ولم يعلم ما يحقّ للّه عليه . والعرب تضع « سفه » « 5 » في موضع جهل ؛ ومنه الحديث : « الكبر أن تسفه الحقّ وتغمص النّاس » « 6 » ؛ أي : تجهل الحقّ . ويؤيّد هذا القول ما روى في الحديث : « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » « 7 » . فقيل في معناه : إنّما يقع النّاس في البدع والضّلالات ، لجهلهم أنفسهم ، وظنّهم أنّهم يملكون الضرّ ، والنّفع دون اللّه عزّ وجل . وحكى عن أبي بكر الورّاق : أنّه قال في معنى هذا الحديث : من عرف نفسه مخلوقة مرزوقة بلا حول ولا قوّة ، عرف ربّه خالقا رازقا « 8 » بالحول والقوّة . وقد أوحى اللّه تعالى إلى داود - عليه السّلام - « كيف عرفتني ؟ وكيف عرفت نفسك ؟ فقال : عرفتك بالقدرة والقوّة والبقاء ، وعرفت نفسي بالضّعف « 9 » والعجز والفناء ؛ فقال : الآن عرفتني » . فإذا كان من عرف نفسه عرف ربّه ، كان من جهل نفسه جهل ربّه ، حتى يرغب عن ملّة إبراهيم . قال قتادة : رغبت عن ملّة إبراهيم « 10 » اليهود والنّصارى ، واتّخذوا اليهوديّة والنّصرانيّة دينا ، بدعة ليست من اللّه ، وتركوا ملّة إبراهيم « 11 » .

--> ( 1 ) الزيادة عن أ . ( 2 ) ب : « سفه نفسه » . ( 3 ) هذا المعنى نقله ابن منظور عن الزجاج - بنحوه - في ( اللسان - مادة : سفه ) . ( 4 ) ب : « قال » . ( 5 ) أ ، ب : « سفه موضع » . انظر ( اللسان - مادة : سفه ) . ( 6 ) هذا الحديث رواه أبو داود والحاكم عن أبي هريرة ، بألفاظ مختلفة ، ( مختصر شرح الجامع للصغير 2 : 164 ) وفي ( اللسان - مادة : غمص ) : غمصه يغمصه غمصا . . واغتمصه : حقره واستصغره ، ولم يره شيئا . ( 7 ) أ : « نفسه عرف ربه » . ( 8 ) ب : « ورازقا » . ( 9 ) أ : « بالعجز والضعف » . ( 10 ) أ ، ب : « عن ملته اليهود » . ( 11 ) كما في ( تفسير الطبري 3 : 103 - 104 ) و ( تفسير ابن كثير 1 : 269 ) .